لتصفح أفضل
دقة الشاشة 1024× 768

العودة   منتديات صدى الدروب > صدى الأدب والثقافة > قصص و روايات و حكايات

قصص و روايات و حكايات تهتم ساحة القصص و الروايات بجميع فنون القصة والرواية الثقافية والتراث القديم في القصص و الحكايات و تعلم القصة Story Novel قصص قصيرة

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم دمــــاء فــي الــمــآقـــي ][ أنت لي ! ][ .... قصة من الروعة أن لا توصف
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 03-11-2008, 08:48 AM
الصورة الرمزية AnGeL
المشرف التقني
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 2,469
شكراً: 17
تم شكره 21 مرة في 21 مشاركة
مزاجي:
AnGeL تم تعطيل التقييم
gg رواية سقر ( رواية حب عذبة ولكن على الطريقة السعودية )

روايــة صدرت حديثاً جداً . بعنوان ســــقــر

في البدء شدني العنوان . وتساءلت عما سيكون على الأرض

وتريد الكاتبة أن تقول إنه قطعة من جهنم . هكذا ورد في ذهني


وبما أن لنا خصوصية في كل شيء فقد عالجت الكاتبة الحب

كمشاعر يرفضها الجميع وفق هذه الـ (خصوصية)
....

للتو انتهيت ُ من قراءتها . ولاأزل ُ في دوامة أحداثها

ولا زال قلبي متأثراً بتعاطفه مع أبطالها .

بطل الرواية الأول شاب اسمه عبدالله . يعاني كثيراً

ويعيش لحظات جميلة ثم حياة بائسة.

لن أطيل عليكم ،،،، سأكتب الرواية هنا على قدر استطاعتي على

حلقات .


---------------------------------

ســـقــر

1

لم يتبقَ على موعد الرحلة سوى ساعات قليلة. ساعات تفصل عبدالله

عن اللحظة التي تـنقله فيها الطائرة ليعود إلى أرض الوطن،

وهو لا يزال ممدد فوق الرمال الناعمة بالقرب من الشاطيء

الذي يعج بالبشر، ينصت إلى الأموج ولا يأبه لوجود بعض الحسناوات

حوله، ثم يبتسم كلما تذكر المرة الأولى التي رأى فيها النساء

بملابس البحر على الشاطئ. (لم يعد السفر ممتعا كما في السابق)

هكذا حدث نفسه، ثم تذكر عبارةً قرأها قبل سنوات تقول:

نجـِدُ الحُبَ ونحن في غمرة بحثِنا عن أشياء أخرى.

ملأ رئتيه بالهواء ثم أخرجه في زفراتٍ طويلة.

ظل على حالته تلك يردد في أعماقه: نـَجـِدُ الحـُبَ ونحن

في غمرة بحثنا عن أشياءٍ أخرى. بقي لدقائق يخلل أصابعه

بين الرمال الناعمة ثم نهض قافلا إلى الفندق ليجمع أغراضه

ويتجه إلى المطار.

على متن الطائرة التي ستصل به إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة

ومنه سيتجه إلى مطار أبها جلس يتذكر الأشهر القليلة التي

مضت وكيف كانت ستسير حياته لو لم يذهب إلى المحكمة وينهي إجراءات الطلاق.

صدر صك طلاق عبد الله وأسماء في 10/3/1405هـ الموافق 3/12/1984م

قبل أن يتم زفافهما. إذ رأيا معاً استحالة تفاهمهما بمجرد مرور ثلاثة

أشهر بعد عقد قرانهما. وكان كلما زارها في بيت أهلها أو حدثها بالهاتف

اكتشف مدى اختلافها عنه. أدرك أنها لا تميل إلى الاعتدال في الدين.

ولم يكن يعلم هذا عنها قبل اقترانه بها. فليس بإمكانه أن يحدثها إلا بعد

أن أصبحت زوجته لأن تقاليد المجتمع صارمة جداً في هذا الجانب.

وافق على خطبتها بعد الحاح والدته التي رشحتها له حين رأتها

جميلة ومهذبة ومن عائلة محافظة. سأل عبدالله والدته عن دراستها

واهتماماتها فعرف أن أسماء طالبة في السنة النهائية في كلية التربية

قسم اللغة الانجليزية. هذا كل ما كان يعرفه إلى أن تم عقد القران.

اكتشفت أسماء أيضاً أن من وافقتْ على الاقتران به لم يكن الرجل

المناسب على الإطلاق. فعلى الرغم من ثقافته العالية واطلاعه

الواسع إلا أنه لم يكن في رأيها متدينا كما ينبغي، ليس هذا وحسب،

بل ويكثر السفر إلى خارج البلاد. وكان صريحا جدا معها حين لم يتردد

في إخبارها بأنه يشرب الخمر أثناء سفره. قال لها أيضاً بأنه يسمع

الأغاني ويهوى العزف والغناء ولديه في منزله عود يعزف عليه

في أوقات فراغه. كأس وغناء وكتب.. هذه هي حياة الرجل الذي

كادت أن تزف إليه.

وبرغم الحزن الذي أصاب أسماء بسبب طلاقها إلا أنها شعرت

بأن الله أراد لها خيراً إذ خلصها من هذا الرجل الذي وافقت أن يكون

زوجها بعد أن زكاه بعض معارفه لوالدها.

شعرعبد الله بشيء من الأسى لفشله في الزواج بامرأة تناسبه.

وبكثيرٍ من الارتياح لأنه أخيراً تخلص من فكرة العيش مع تلك

الفتاة التي تحاسبه على كل شيء وتنتقد باسم الدين كل ما يقول ويفعل.

انتبه إلى صوت المضيفة تطلب منه ربْط الحزام. ربَطَ حزامه وتناول

كتاباً كان قد احضره قبل سفره ولم يرق له في رحلة الذهاب وهاهو

الآن في إيابهِ يقلب الصفحات بشكل سريع. اكتشف أن المؤلف يحاول

إقناع القارئ بما لدى كل شخص من قدرات إذا استغلها تغلب

على ظروفه مهما كانت تلك الظروف. ابتسامات السخرية ترتسم

على شفتي عبد الله وهو يخاطب المؤلف في أعماقه ويقول:

"كيف يتغلب الفقير على فقره في بلاد القحط والمجاعات. كيف ينجو

المرضى من وباءٍ انتشر حولهم وداهم أجسادهم. كيف نتغلب نحن

على تصحـّر حياتنا وجدبها لنجد الحب..؟ لنعيش أسوياء.. لنحافظ

على أنفسنا دون عقدٍ أو شذوذٍ أو أمراض نفسية..؟ كيف نتحرك

ونتصرف دون أن نخشى سطوة الناس وقسوة المجتمع..؟ لا نطمح

إلى الكثير.. فقط نريد أن نحافظ على أنسانيتنا".

ألقى بالكتاب على المقعد الفارغ المجاور له ثم أسند رأسه على ذراعه

وأغمض عينيه لينام ولم يستيقظ إلا عندما أوشكت الرحلةُ على الانتهاء.



في اليوم التالي ذهب إلى عمله وشيء من الإحباط يغلف كلمات التحية

التي يحيي بها زملاءه. لقد رجع من إجازته القصيرة مستاءً على غير

عادته بعد أسفاره. ولسببٍ يجهله الجميع ظل ينجز عمله دون أن يطلق

النكات والضحكات والتعليقات المرحة.

يسكن عبدالله مع والديه في ذات الفيلا التي انتهى من بنائها قبل أشهر.

لكنه ترك لهما الدور العلوي واستقل بنفسه في الدور الأرضي. يجلس

معهما على وجبتي الغداء والعشاء. ويطول جلوسه إذا جاء أخوه بزوجته

وبناته وجاءت أخواته وأزواجهن وأبناؤهن وبناتهن.. يأتي الجميع إلى

الوالدين اللذين ينتظران انقضاء أيام الأسبوع من أجل هذا التجمع في

منزلهما في كل ليلة أربعاء. يقضي عبدالله وقتا ممتعا مع العائلة،

ثم يعود إلى منزله عن طريق سلمٍ داخلي بين الدورين ليجلس إلى

عوده وكتبه أو ليستقبل أصدقاءه المقربين. تلحق به أريج أبنة أخيه

الكبرى أحياناً، وهي طالبة في الصف الثالث الثانوي. تبحث في مكتبة

عمها عن شريط جديد أو فيلم فيديو لم تشاهده. ودائما تعيد ما استعارته

لكي يعطيها من جديد ما تحب من الأفلام والأغاني في ذلك الوقت الذي

لا يوجد فيه قنوات فضائية، وليس أمام الناس إلا متابعة قناة التلفزين

السعودي والإذاعات المختلفة عبر الراديو أو اللجوء إلى أشرطة الفيديو

ومشاهدة الأفلام العربية والأجنبية.

تحتل أريج مكانها المميز في قلب عمها عبدالله إذ إنها ليست ابنة أخيه

وحسب.. أنها أيضاً صديقته. وهذا ما يعطيها الحق وحدها دون باقي

أبناء الأخ والأخوات في الدخول عليه أي وقت تشاء لتأخذ ماتشاء من

مكتبته. ودائما تكتشف أسراره لأنه لايحاول إخفاء الأسرار عنها.


لاحظت والدة عبدالله الضيق الذي يرتسم على ملامحه. سألته عن السبب

فلم تسمع إجابة. ولهذا اقترحت عليه ذات الاقتراح الذي تردده كلما سنحت لها فرصة.

ـ متى سأفرح بك.. متى سأرى أولادك.. متى ستوافق على أن نخطب لك
من جديد..؟ عدم إتمام زواجك الأول لا يعني أن تبقى العمر كله دون زواج.
كلما رأيتُ فتاة جميلة قلت سأخطبها لك.. فمتى؟ لقد تجاوزت الثلاثين ياعبدالله..؟

لم يفلح عبدالله في إقناع والدته بأنه يريد أن يحب الفتاة التي سيتزوجها

قبل أن يخطبها. لم يستطع إقناعها بأن شكل المرأة لا يكفي لتحقيق حياة سعيدة

أو على الأقل فيها بعض الانسجام.

ـ يابني لن أخطب لك فتاة جميلة وكفى.. سنتأكد من تربيتها وسمعتها.
أخبرني كيف تريدها وسأبحث لك عمن تناسبك..

قال متهكماً:ـ أريدها بيضاء، بأربع عجلات وأربعة مقاعد وبابين وفتحة في السقف.

أدركت أمه السخرية التي في كلامه فرمقته بنظرةٍ غاضبة وصمتتْ فتابع:

ـ أمي..أنا إنسان.. وأريد إنسانة.. لا أريد سيارة بمواصفات محددة.

ـ أخوك تزوج. وأخواتك الثلاث تزوجن وكل الناس يتوكلون على الله
ويتزوجون.. إلا أنت، لم تقل لي ما المواصفات التي تناسبك لأبحث لك عنها.

ـ ماذا عن أحلام الفتاة التي ستخطبينها لي يا أمي؟ ماذا عن شخصيتها؟
ماذا عن تفكيرها؟ ماذا عنها كإنسانة..؟ أمي.. يجب أن أتأكد من مشاعري
نحوها قبل كل شيء.

وظل عبد الله أشهراً عديدة يحاور أمه بذات الطريقة كلما ذكرت أمامه

فتاةً رأتها في حفلٍ أو زواج. ولا يصلان إلى نتيجة.



2

مها طالبة مميزة حين كانت في الكلية. ومميزة في مدرستها التي تعمل

بها معلمة بعد تخرجها. ميّزها ذكاؤها واتساع أفقها. وميزها أيضاً جمالها

الهادئ ورقتها المفرطة. من يراها يرى التأني في تصرفاتها والخجل في

كلماتها. لكن حين يتعامل معها يدرك أن الهدوء لا يتنافى مع الصلابة

وقوة الشخصية. وأن الخجل مجرد تصورٍ في ذهن من يتعامل معها عكسته

ملامحها الرقيقة. ودائما تأتي ردود أفعالها قوية وحازمة.

قضت مها الكثير من ساعات النهار والليل على الهاتف في غرفتها

تتحدث إلى صديقاتها في أيام الامتحانات سنة تخرجها من الكلية.

في ذلك الوقت لم يكن عصر الجوالات قد ظهر وبالكاد يوجد خط تليفون

واحد في كل بيت، وبعض البيوت استمرت لسنوات أخرى دون هاتف.

في تلك الأيام شرحت مها لزميلاتها بعض المواد على الهاتف واستمعت

إلى شرحهن، كلما رفع والدها السماعة الأخرى الموجودة في صالة

الجلوس سمع مها وصديقتها تتناقشان بجدية تامة في مادة من مواد الدراسة.

طلب والدها منها أن تخفف من شغل الهاتف كل هذه الساعات. لكي لا يظن

أحدهم ببناته الظنون إذا اتصل ووجد الهاتف مشغولاً باستمرار. فطلبت من

والدها بالمقابل أن يسمح لها بزيارة صديقاتها لتذاكر معهن دروسها. تقبـّل

والدها هذه الطريقة في المذاكرة مع الصديقات إذ أنها أفضل من أن تخرج

ابنته من البيت حيث لايفضل والد مها ذهابها إلى أي بيت دون أن تصحبها

والدتها. كما وأنه مطمئن إلى أنها لن تتحدث إلا مع صديقاتها لأن وجود سماعة

أخرى لذات الرقم يجعلها تخشى مغامرة التحدث مع رجل إن سوّلت لها

نفسها ذلك كما حدث منها عندما كانت في المرحلة الثانوية، حين ضربها

والدها بالعقال وحرمها من المدرسة ليسجنها في حجرتها أسبوعا كاملا،

لا تغادرها أبداً. حتى حمامها موجود داخل الغرفة. وتعطيها والدتها أثناء

حلول موعد الوجبات طعامها في غرفتها. في ذلك الأسبوع الرهيب الذي جرّبت

فيه السجن الانفرادي بكت كثيراً إلى أن ملت البكاء. ثم بدأت تسلي نفسها بالقراءة.

تعاطفت معها والدتها وأحضرت لها الكثير من الكتب من مكتبة المنزل

التي سبق لوالدها أن اشتراها بثمنٍ رخيص من ورثة رجل ترك ضمن

ماترك مكتبة تزخر بالكثير من الكتب بعضها يعد نادراً، وأضافها إلى الفيلا

كديكور يضفي على المكان وقارا وهيبة. ولم يفتح منها كتاباً على الإطلاق.

لكن مها هي التي وقعت على كنز ثمين منذ أن سكنت هذا المنزل الجديد.

على أن عقابها الشديد هذا لايوازي في نظرها الجرم المقترف إذ أن كل

ما فعلته هو أنها أخذت رقم أحدهم من زميلةٍ لها في المدرسة واتصلت

به لتثرثر معه لا أكثر. اكتشف والدها الأمر بعد أن بدأت الحديث مع ذلك

المراهق المجهول بثلاثة أيام فقط. فأقسمت لوالدها بأغلظ الأيمان أنها

لاتعرف اسمه بعد ولايعرف اسمها. لكن والدها أنزل عقاله واندفع يجلدها

بكل قوه. وبعد أن ترك آثار عقاله على جسدها أمر والدتها بسجنها في

غرفتها ورمى عليها يمين الطلاق إن سمحت لمها بالخروج من الحجرة

لأي سبب كان إلى أن يوافق هو على ذلك.

تعلمت مها من تجربتها الرهيبة أن تسير وفق ما يأمرها والدها ووالدتها

والمجتمع كله، فلم تعد تخفف من غطاء وجهها أبداً خوفا من كلام الناس

وخوفا من ضرب والدها. وصارت تتذكر كلماته وهو يهوي بعقاله على ظهرها:
ـ تريدين أن تجلبي لي الفضيحة بين الناس يا فاجرة.

تعلمت أيضاً أن تنسى التفكير في الرجال وأن تدفن انفعالاتها

داخل الكتب. وتكتفي بأن تهيم عشقا بمطربها المفضل محمد عبده.

ورغم كلمات الغزل التي تسمعها من بعض زميلاتها الطالبات حين

كانت في المرحلة الثانوية وبعد أن أصبحت في الكلية، ورغم تعرضها

لمحاولات لا تنتهي لكي يبدأن معها علاقاتهن الشاذة إلا أنها ترفض

الانصياع لهن بحزم يصل إلى المشادات مع اللواتي يخبرنها برغبة فلانة

أو علانة في اتخاذها خليلة. وكثيراً ما وجدت في شنطة يدها رسالة

غرامية من إحدى زميلاتها في الكلية تخبرها كم تتمنى أن تكون لها

حبيبة فلا تكترث لرسائلهن، وتمزقها مباشرة. وكم كانت تشمئز من

اللواتي تتيقن من أنهن على علاقة شاذة ببعضهن، ويصل اشمئزازها

إلى حد عدم رغبتها في الحديث إليهن أو حتى مصافحتهن.

استعادت مها ثقة أبويها بالتزامها التام بما يريانه صواباً كل هذه

السنوات إلى أن صارت معلمة. ولكنها خسرت مرحها وتفاؤلها..

فغدت كئيبة محبطة.. تـتـأفف من أتفه الأمور.. وتفضل الصمت على

الحديث مع الجميع إلا بعض صديقاتها اللواتي يشاركنها ذات الواقع..

تقضي الكثير من وقتها في حجرتها إما لقراءة كتاب أو للاستماع إلى

أغنية من أغنيات محمد عبده وطلال مداح وقد خصصت كراسة لكتابة

الأغنيات وأخرى لتدوين بعض الخواطر الحزينة.. ليست متفائلةً بشيء..

ولا منتظرةً ليشيء.. وكل ماهنالك هو أن لديها شعور بأنها على هامش الحياة،

وليست في معتركها ولا تلوح في الآفاق بارقة أمل تدل على اقتراب تغيير هذا الواقع.

والدها الشيخ عبد الرحمن صار شيخا لأن عاملاً في المؤسسة التي أنشأها

للمقاولات ناداه بهذا اللقب فتبعه في ذلك بقية العمال ثم درج اللقب على ألسنة

المتعاملين معه. ولم يستنكر المجتمع تلقيبه بالشيخ فهو من خيرة رجال قبيلته

نسبا وأكثرهم كرماً، والجميع يتفقون على أنه رجل مستقيم ونزيه شديد الوفاء

لأهله وأقربائه.

يقضي الشيخ عبد الرحمن جل ساعات النهار في مؤسسته. فإذا أقبل الليل

عاد إلى منزله ليتناول طعام العشاء مع زوجته وبناته الثلاث وولديه.

ويتابع الأخبار أو يجلس في قسم الضيوف مع المقربين من أصدقائه.

وبالرغم من أن لمها عملها الذي يدر على المنزل مبلغا محترماً.

إلا أن هذا لا يجعلها أهلاً لاتخاذ أي قرارٍ في أي شأن. ولذا وجب

عليها أن تستأذن حتى لاستقبال صديقاتها في البيت. أما زيارتهن

وحدها فممنوعة. وإذا اضطرت مها لزيارة إحداهن لأداء الواجب

كعيادة صديقةٍ مريضة أو المباركة لصديقةٍ تزوجت أو أنجبت طفلاً

فعلى والدة مها أن تصحبها في زياراتها تلك. ولم تتميز بكونها الأكبر


من أختيها عبير وآية اللتين في المرحلة المتوسطة ومن أخويها عادل

وأحمد اللذين في المرحلة الثانوية.

والدتها مشغولة دائماً إما بترتيب البيت والطبخ واستقبال الضيوف

أو بالزيارات النسائية للجارات والقريبات. وبرغم وجود الخادمة في

المنزل إلا أن والدتها تشرف على كل شيء بنفسها.

ترفض مها كلَ خاطبٍ يتقدم لها دون أن تسأل عنه. لأنها ترى

أن الزواج في هذه البلاد يسير بشكل معكوس إذ يتم الزواج أولا ً

ثم تتعرف المرأة على ذلك الرجل الذي أصبح زوجها.. وأصبح عنقها

في قبضته حسب تعبير مها. ولا تدري كيف تحل مشكلتها. فالخوف يقتلها

من مجرد التفكير في البدء بمغامرة جديدة لتتعرف على عالم الرجال.


والزواج بالطريقة التقليدية يحولها إلى جارية يدفع أحدهم فيها مبلغا


يسميه الناس مهراً لكنه في اعتقاد مها يشتريها بذلك المبلغ ويأخذها

إلى بيته فتصبح تحت سلطته بشكلٍ كامل.

استأذنت مها أثناء تناول طعام الغداء ذات يوم لتخرج مع السائق

وتشتري بعض ما تحتاجه من كتب وأوراق وملفات تخص عملها.

وبعد صلاة العصر ارتدت عباءتها وغطت وجهها بغطاءٍ أسود كثيف

لايسرها ارتداؤه أبدا، لكنها مرغمة على ذلك. ثم اتجهت إلى إحدى

المكتبات الكبيرة. تأملت الأرفف.. قرأت عناوين الكتب بعد أن أزاحت

الغطاء عن عينيها فقط ثم أعادته لأنها اضطرت إلى الاستعانة بأحد

الموظفين عندما لم تجد ديوان (تهجـّيتُ حلما تهجـّيتُ وهما) للشاعر

محمد الثبيتي. وأخبرها الموظف بأن الديوان قد نفد من المكتبات.

أظهرت الفتاة أسفها بآهةٍ ممدودة بعض الشيء. شكرت الموظف

وعادت إلى الأرفف من جديد. تبحث عما تريد، وحين اقتربت من أحد

الكتب فاجأها شخص لا تدري من أين ظهر ووضع أمامها وعلى نفس

الرف الذي تضع يدها عليه ورقةً مفتوحة ثم انسحب بسرعة دون أن

يتكلم، ودون أن يعطيها فرصةً لاستيعاب تصرفه.

فوجئت مها بالموقف، وظنت في البداية أن في الورقة رقما لهاتفه

فهي تعرف أساليب الترقيم التي يتبعها الشباب. نظرت إلي الورقة

ووجدتها رسالة قصيرة لا تحوي أرقاماً. تركت مها الورقة المفتوحة

مكانها على الرف وقرأت فيها..

"مرحبا.. لدي ديوان محمد الثبيتي. سأحضر الديوان غدا في مثل هذا الوقت تماما واضعه على باب المكتبة من الخارج يمكنك التقاطه إن شئتِ ذلك دون أن يشعر أحد. تحياتي....عبدالله"
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #2 (permalink)  
قديم 03-11-2008, 08:49 AM
الصورة الرمزية AnGeL
المشرف التقني
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 2,469
شكراً: 17
تم شكره 21 مرة في 21 مشاركة
مزاجي:
AnGeL تم تعطيل التقييم
افتراضي

تركت مها الورقة المفتوحة مكانها على الرف وقرأت فيها..
"مرحبا.. لدي ديوان محمد الثبيتي. سأحضر الديوان غدا في مثل
هذا الوقت تماما واضعه على باب المكتبة من الخارج يمكنك التقاطه
إن شئتِ ذلك دون أن يشعر أحد. تحياتي....عبدالله"

اعتاد عبدالله زيارة المكتبة مع نهاية كل شهر....
أي عند استلام الراتب.
وتلك عادة بدأها عندما كان طالباً في الجامعة ثم استمر عليها كل هذه
السنوات. يزور المكتبة كل شهر ويبحث عن الجديد
فإن وجد مايشده اشتراه.
ولم يغير عادته تلك إلا في ذلك اليوم. ولايدري لماذا خرج من بيته
وكيف جرته قدماه إلى المكتبة والشهر لايزال في منتصفه.


لاحظها تتأمل رفوف الروايات تبحث عن شيء معين.
ثم رأها وهي تنتقل إلى أرفف الشعر. وبعد ذلك سمعها وهي تسأل عن الديوان.
لم يفكر كثيراً. وجد نفسه يكتب لها رسالته القصيرة ويتجه إليها
ليضع الورقة على مستوى نظرها على الرف وينسحب بسرعة.


انزوى عبد الله في مكان يستطيع فيه أن يراها دون أن تراه ولمحها
وهي تحمل الورقة بسرعة وتقذف بها في شنطة يدها بعد أن قرأتها
ثم تغلق الشنطة بسرعة. ورآها وهي تتأمل من حولها من الرجال
المنشغلين بشراء مايلزمهم دون أن تجد فيهم من تظن أنه هو الذي
وضع الورقة أمامها واختفى في لحظات.


ظل عبدالله ينظر إلى الفتاة .. يحدق في كل ما فيها من بعيد. ثم تساءل
في خاطره "كيف يمكن لفتاة بالكاد أرى منها كفيها فقط أن تشدني".
لقد أعادت قطعة القماش السوداء لتغطي الفتحة الصغيرة التي أمام
عينيها كلما استدارت مبتعدة عن الأرفف. لم ير وجهها.. ولا حتى
عينيها. تساءل من جديد "أيعقل أن يكون في صوتها من العذوبة
ما يكفي عما سواه؟؟؟؟؟"

أطال إليها النظر من بعيد. تتبع كل التفاصيل التي يمكنه أن يراها
(لا أرى سوى كف امرأة.. امرأة مجهولة.. كفها يخبرني عنها)
هكذا حدث نفسه: (أظافرها طويلة بعض الشيء وعليها طلاء شفاف
يعطي لمعانا ولا يغير لون الظفر.. أصابعها بيضاء نحيلة،،،، في البنصر
الأيمن خاتم صغير يكاد لا يرى من بعيد. أما العباءة وغطاء الوجه
والشيلة التي أسدلتها بترتيب على كتفيها، فمكوية بعناية بالغة.
حذاؤها أسود نظيف وأنيق.. جواربها سوداء شفافة زادت بشرة
قدميها بهاءً. وقامتها ليست ممتلئة،،،، إنها أقرب للنحافة) .

وكلما تحركت الفتاة حاول أن يصطاد بنظره أي جزء منها يمكن أن يراه.
وكلما تملكته رغبة في الاقتراب والتحدث إليها ابتعد عنها أكثر وذهب
إلى جزء آخر من المكتبة.

مها تراوح مكانها وكأنها تريد أن ترى الرجل الذي كتب لها هذه الرسالة.
وحين أصابها اليأس حملت كل ما جمعته من كتب ودفاتر وأقلام ملونة
واتجهت لدفع الحساب والعودة إلى البيت.

ذهبت إلى المدرسة في صباح اليوم التالي وأخبرت صديقتها فوزية بما حدث،
وأطلعتها على الورقة الصغيرة فقالت فوزية:
ـ هذا أسلوب جديد في المعاكسات لم نسمع به من قبل. انتبهي يامها..
أنت معلمة. انتبهي من أن يلعب بك أحد المراهقين.

أرادت مها أن تؤكد لها بأنه شاب ناضج وليس مراهقا كما تقول
لكنها لا تذكر ملامحه. بل ولم تنتبه حتى لوجوده إلا حين وضع
الورقة وانصرف بسرعة. لكن.. لو أنه مراهق لوضع رقم هاتفه
بدلا من أن يخطط ليعطيها كتابا نفد من الأسواق. علاوة على أن
المراهق لن يقتني ديوانا لشاعرٍ بقامة محمد الثبيتي.

لم تقتنع فوزية بما قدمته لها مها من معطيات. ولا تدري من
هو هذا الشاعر الذي لن يقرأ له إلا رجل ناضج حسب زعم مها.
تساءلت فوزية عن علاقة النضوج بالدواوين. فوزية متأكدة من
أن أباها وإخوتها كلهم نضجوا دون أن يمسكوا ديوانا بأيديهم.


لقد فشلت مها في إقناع صديقتها بأن الرجل الذي كتب لها الورقة
في المكتبة لايريد شيئا سوى أن يقدم لها كتابا. وظلت فوزية تؤكد
لها أن الرجال رجال، سواءً كانوا كباراً أو صغارا، كلهم صنف واحد.
همهم الإيقاع بفريسة.. التسلي بقلب فتاة.. الوصول إليها عن طريق
دغدغة مشاعرها. هذا ماتعتقده فوزية وتصر عليه.
كل هذه التحذيرات التي قدمتها فوزية لم تجدِ نفعا. فبمجرد
أن جلست مها إلى مائدة الغداء مع أسرتها أخذت الأذن من
أبويها من جديد للرجوع إلى المكتبة التي ذهبت إليها بالأمس.
مدعيةً أن ما اشترته للمدرسة لم يكن مناسباً.

انطلقت مها مع سائقها إلى المكتبة بعد صلاة العصر مباشرة.
تعرف أنها هذا اليوم ذهبت مبكرة إذ لم تحن الساعة التي كانت
فيها عصر أمس في هذا المكان. لأنها تريد أن تراه وهو يضع
الكتاب بالقرب من الباب. لكن.. خيبتها شديدة.. أو.. فرحتها طاغية..
لم يتحدد شعورها بالضبط.. فهاهو كيس بلاستيكي شفاف على الأرض
مرتكز على الحائط بجوار باب المكتبة، ويظهر من خلاله الديوان
واضحاً. لقد سبقها إذاً. (الشارع يعج بالسيارات لكن لا يهم لن ينتبه أحد)
هكذا قالت لنفسها ثم قفزت بسرعة وعادت إلى مقعدها في السيارة والكيس
في يدها. ويدها الأخرى على قلبها لشدة شعورها بخفقانه. أمرت سائقها
بأن ينطلق بها إلى البيت.

ألقت التحية على والدتها وأختيها وكن يتابعن مسلسلاً تلفزيونياً في صالة
الجلوس ثم قطعت الصالة لتصل إلى السلم وتصعد إلى حجرتها قبل أن
تسمع ردا على سلامها. جلست بسرعة على طرف السرير بعد أن خلعت
عباءتها. بدأت تقلب صفحات الديوان. وقبل أن تقرأ أذهلها أن يكون الديوان
معطراً. أعجبتها رائحة العطر الرجالي الذي تسلل إلى أنفها. تساءلت:
( كيف عطـّره.. هل من المعتاد أن يعطر الأنسان كتبه..؟ ربما كان العطر
في يديه حين أمسك بالديوان.. أو أنه رش العطر على الديوان متعمداً من أجلي؟؟؟).


بدأت تقرأ. وعندما وصلت إلى القصيدة التي بعنوان
(برقياتُ حبٍ إلى غائبة) لاحظت وجودَ خطٍ تحت بعض
الكلمات بالقلم الرصاص.. ( هل هذه الخطوط قديمة.
. أم أنه خططها البارحة..هل هي رسائل لي أنا)
ثم قرأتْ القصيدة بتـنغيم ٍ عذب :
أجيء اليك..
مع الغيث أهمي
وأبذر بين جراحك اسمي
أشق اليك
هموم الحصاد
وخوف السنابل
أشق اليك ،،،،،
طموح الجراد
عقوق البيادر
جوع المناجل
أزف اليك
تهاني الفصول
غناء الحقول
وشوق القوافل
أجيء
وفي قسماتي
يعرش كرم
ويثمل نخل
وتغرق في خطواتي سواحل

أجيء اليكِ
أضيء النهار
أسائل عنكِ المواني ،،،البحار
أفتش عنك قلوب المحار
أجيء اليكِ
عرفت ،، عرفت
اليك الطريق
عرفت الصهيل
عرفت الأريج
عرفت البريق
عرفت بأنك حالمة
تعشقين الوعود
عرفت بأنك عاصفة
تخزنين الرعود
عرفت بأن الصحارى
تخبيء في شفتيك
اللظى ،،
والرحيق
أجيء اليك
وللحب واجهة
من مرايا
وللرمل ذاكرة من ضباب
أجيء اليك
أرتل بين يديك القصيدة
أجيئك من شاطيء الأمس
بالذكريات السعيدة
أخبيء بين ضفائرك
اليوم
والغد
والحلم
والأغنيات
انا حلمك الذهبي. أنا
أنا همك الازلي .أنا
أنا لحنك البدوي . أنا
أنا فرح الدمع في مقلتيك
أنا وهج الوشم في وجنتيك
وأنت الشباب
وأنت السراب
وأنت العذاب
وأنت أنا ،،،،،،،،،،،،،،،،

اجتاحتها قشعريرة لذيذة. ثم شعرت بأناملها ترتجف وكاد الكتاب
يسقط من بين يديها حين لمحت في الصفحة التي تلي القصيدة اسم
عبد الله بالقلم الرصاص ورقم هاتفه. (( هو يريدني أن أتصل إذاً..
والخطوط التي تحت الكلمات السابقة رسالة لي أنا.. والعطر الذي
دوخني تعمد رشه على الديوان.. تـُرى من هذا الرجل؟ وعلى ماذا
يدل تصرفه؟.. هل هو لئيم جداً.. أم ذكي جداً..؟ ربما......
ربما هو رقيق جداً. ))
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #3 (permalink)  
قديم 03-11-2008, 08:52 AM
الصورة الرمزية AnGeL
المشرف التقني
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 2,469
شكراً: 17
تم شكره 21 مرة في 21 مشاركة
مزاجي:
AnGeL تم تعطيل التقييم
افتراضي

3

ربما ساهم الطلاق في أن تسترجع أسماء ذكرياتها القديمة

فتجلس وحدها وتتأمل مافات. تذكر جيداً تأثرها منذ أن كانت

في الصف الرابع الابتدائي بإحدى معلماتها. إذ آمنت وهي الطفلة

الصغيرة بأن معلمتها على حق في كل ما تقوله. كانت المعلمة

تضعها على أول طريق الهداية كما أخبرتها. كانت ترشدها إلى

الصواب وتعلمها ما ينفعها لتكون مسلمة صالحة مستقيمة.

أخبرتها بالعذاب الذي يطال المذنبة في قبرها والعذاب الذي ينتظرها

في سـقر يوم القيامة. أخبرتها بأن حسابها عسيراً إن لم تلتزم بدينها

وتراقب الله في كل قولٍ وفعل. سمعت الطفلة كثيرا عن درجات العذاب

في القبر ومابعد القبر. قالت لها معلمتها: في القبر ثلاث مراحلٍ من

العذاب. المرحلة الأولى يضيق القبر حتى تختلف أضلاع من فيه وتتداخل،

والثانية يُوقد عليه القبر نارا فيتقلب على الجمر ليل نهار، والثالثة يسلط

عليه في قبره ثعبان اسمه الشجاع الأقرع عيناه من نار و أظفاره من

حديد، طول كل ظفر مسيرة يوم، يكلم الميت فيقول: أنا الشجاع الأقرع

وصوته مثل الرعد وكلما ضربه ضربة يغوص في الأرض سبعين ذراعا،

فلا يزال في القبر معذبا إلى يوم القيامة.

سيطر الخوف على الطفلة أسماء ورأت القبر وعذابه في أحلامها. صار

خوفها من الثعابين يجعلها تبلل فراشها كل ليلة. وظلت مشكلة تبولها

وهي نائمة ترافقها لسنوات. التزمت بكل تعاليم معلمتها. حافظت على

صلواتها في أوقاتها. لم تلمس بيدها مجلةً ولم تستمع إلى أغنية ولم

تنظر إلى صورة. ارتدت الحجاب الكامل وغطت وجهها منذ أن كانت في

الصف الخامس الابتدائي. على أن معلمتها لم تفرد لها الحديث وحدها.

بل كانت نصائحها تشمل جميع طالبات الفصل. لكن ولسببٍ تجهله أسماء،

وجدت نفسها أكثر الطالبات تأثراً وأشدهن خوفاً من العذاب وأحرصهن

على اتباع توجيهات معلمتها.

ثم مرت السنوات ونسيت أسماء تعاليم معلمتها شيئا فشيئا عندما

انتقلت إلى المرحلة المتوسطة والثانوية. بدأت تنسجم مع زميلاتها

في المدرسة. تابعت مثلهن ما يتابعن من مسلسلات على قناة التلفزيون

السعودي. واستمعت إلى ما تقدمه إذاعة الرياض من برامج ومسلسلات

إذاعية. وتحدثت معهن عن وسامة بعض الممثلين أو لاعبي الكرة. وحدثتها

نفسها كثيرا عن جارهم طارق، ذلك الشاب الصغير الذي كلما خرج

من بيت أهله التفت إلى بيت أسماء وهي تراقبه من النافذة.. تمنت أن

تتحدث معه. أخبرت صديقاتها عنه. ضحكن من توترها لمجرد التفكير

في محادثته. لكنها وبمجرد دخولها كلية التربية في أبها ووجدت فيها

أساتذة يميلون إلى التشدد في ذلك الوقت. عادت بسرعة إلى ما تعلمته

عندما كانت صغيرة. وبرغم أنها قد اختارت اللغة الانجليزية للدراسة

إلا أن حرصها على حضور المحاضرات الخاصة بالمواد الدينية المكثفة

صار شديد.

امتلأت حجرتها بأشرطة الوعظ التي يستخدم فيها الوعاظ والخطباء

مفردات التهديد والوعيد بأسلوب استعراضي يفزع الضعفاء من أمثال

أسماء. ولم تمض الأربع سنوات التي قضتها في الكلية إلا وقد أصبحت

على ماهي عليه فيما يخص فهمها للدين وأثر هذا الفهم على حياتها كلها.

وبرغم طيبتها الشديدة وأدبها الجم لم تحتمل مسايرتها حتى التخرج إلا القليلات.

فكل ما تفعله الطالبات حرام أو مكروه عندها.

تزايدت كآبة أسماء يوما بعد آخر. ولذا صارت تهرب من كل ما يؤلمها

إلى الصلاة وقراءة القرآن الكريم. تهرب من وحدتها القاتلة ومما تأمرها

به نفسها الأمارة بالسوء. تهرب من عواطفها ورغباتها التي يسوءُ أسماء

أن تعتمر في داخلها تلك العواطف المتأججة والرغبات القوية. تهرب من

التفكير في مستقبلها. تهرب من رغبتها في الجلوس مع الصديقات، لما

في الجلوس معهن من الاستماع إلى النميمة والغيبة أو على الأقل إضاعة

الوقت فيما لا ينفع. تهرب من رغبتها في الخروج إلى الأسواق لما فيها

من الآثام والذنوب. تهرب من الانشغال بالدنيا التي تلهي المؤمنة الحقة

عن التحضير ليوم الحساب. "الوحدة خير من جليس السوء" هكذا قالت

لنفسها. وبما أن الجليس الصالح في رأيها أصبح نادراً فضلت العزلة على

الاختلاط بالناس. أما الزواج فبقدر ماحمدتْ الله الذي خلصها من عبدالله

ترجوه أن يرسل لها رجلاً يعرف دينه ويخاف ربه.

تستيقظ أسماء كثيراً قبل الفجر بنصف ساعة. وبرغم شعورها بالبرد

الشديد في شتاء أبها تترك فراشها الدافئ لتتوضأ وتصلي ركعتين أو

أكثر ثم تقرأ ما يتيسر من القرآن الكريم في انتظار صلاة الفجر، وبعد هذا

تتأهب للخروج إلى عملها كمعلمةٍ للغة الانجليزية في إحدى المدارس

المتوسطة، ماعدا يومي الخميس والجمعة إذ تعود إلى النوم بعد صلاة

الفجر مباشرة. وهاهي اليوم تصلي الفجر بخشوع عظيم ثم تنام فترى

فيما يرى النائم أن ملاكاً احتضنها من خلفها وهي واقفة في بستان شديد

الخضرة وطار بها دون أن ترى وجهه لكنها تشعر به يمسك بها ويرتفع

عن الأرض وعندما نظرت إلى الأسفل رأت في المكان الذي كانت تقف فيه

ثعبانا ضخماً لولا الملاك لابتلعها. ثم استيقظت من النوم.

اتصلت بكثير من المشايخ ورجال الدين، تستفسر منهم تعبير مارأت

فأكد لها أغلبهم بأن الله أنجاها من أمرٍ سيئ كاد يهلكها لولا لطف الله.

وفي كل مرة يـُفسَرُ لها الحلم توقن بأن طلاقها من عبدالله كان لخيرٍ أراده

الله. ولأنها لا تنام إلا على وضوء زادتها أحلامها التي تراها دائما وهي

على طهارة يقينا على يقينها بأن القادم أفضل. وخصوصاً تلك الأحلام التي

تراها بعد صلاة التهجد.

تعتقد أسماء بأنها ليست معلمة سلبية مع الطالبات كبعض اللواتي يعطين

الدروس ولا يحرصن على تثقيف الطالبات دينياً. إذ كانت تستغل جزءاً من

كل حصة لتحقق الهدف الوجداني فتشرح للطالبات معنى حديثٍ أو آية.

أو تورد لهن موقفاً أو موعظة أو حكاية قرأتها في كتاب من الكتب الدينية

التي تعج بها مكتبة المدرسة. أو مما تسمعه في أشرطة الخطباء والوعاظ.

ثم انشغلت تحفيظ القرآن الكريم للطالبات وصارت تعطي الدروس الانجليزية

المقررة بسرعة فائقة وتخصص مايزيد على نصف وقت الحصة لتستمع إلى

حافظات القرآن الكريم أو الأحاديث، من طالباتها مؤكدة لهن أن دراسة القرآن

والسنة أولى بوقت المسلمة والمسلم من تعلم الإنجليزية وسائر العلوم الدنيوية.

وبرغم كل ما تفعله من أجل تثقيف الطالبات دينياً إلا أنها تدرك تمام الإدراك بأن

المديرة والمساعدة وبعض المعلمات في المدرسة يضطهدنها ويخططن لإيذائها.

وبرغم تأكيد المديرة لها بأنها لا تود لها إلا الخير ظلت أسماء على يقين مما تعتقد بشأنهن.

كان من السهل أن تنجح طالباتها بدرجات عالية وذلك لأنها تحدد معهن ما يجب

عليهن استذكاره استعدادا للامتحان وتختصر كثيرا من الدروس المقررة

فلا تـُبقي منها إلا ما سيكون ضمن أسئلة الامتحان.

استيقظت ذات سحر بعد أن رأت ذات الملاك الذي رفعها عن الثعبان في حلمٍ

سابق. رأته الليلة يكلمها دون أن تتبين ملامحه. رأته على هيئة نور أبيض

شديد، وقد تشكل النور كجسد له أجنحة كبيرة. كلّمها هذه المرة. قال لها: أنت

نقية يا أسماء، لم تخطئي يوماً. أنت لست كالبشر، أنت كالماء المقطر وأشد نقاءً.

أفرحها ما قال كثيراً. لكنه ذكّرها بأن الله لم يخلقها لهذا بل خلقها لتخطئ فتتوب.

ولو أن الناس بلا ذنوب لذهب الله بهم وأتى بغيرهم، يخطئون فيتوبون ويتوب الله

عليهم. أحزنها قوله وحيرتها كلماته. بكت في نومها لفرط حيرتها، وتساءلت أمام الملاك:

ـ هل عليّ أن اقترف الذنوب لكي يرضى الله عني أم أجتنبها.؟ ثم استيقظت من نومها

مذهولة مما رأت.

لم تجتمع أقوال المشايخ ومفسري الأحلام حول هذه الرؤيا كما في رؤاها السابقة.


لقد تضاربت الأقول واختلفت التعابير. وغرقت أسماء في أوهامٍ تملكتها.


4

ظل عبد الله في حجرته لا يغادرها أبدا، يشرب الشاي أو القهوة ويقرأ أحياناً ويعزف


أخرى وينتظر. تأمل الهاتف أكثر من مرة ليتأكد من أن السماعة موضوعة بشكل

صحيح ومن أن صوت الجرس مفتوح.

وعندما تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل أيقن بأنه لم ينجح في محاولته.

عزّى نفسه ببعض الكلمات وهو يتمدد في سريره: "ربما هي متزوجة.. لكنها

تبدو شابة صغيرة .. كيف أقول (تبدو) ولم يبدُ منها شيء؟! .. لكن .. هي رشيقة ..

المتزوجات في مجملهن.. لا.. ليس ضروريا.. كثيرات يحرصن على رشاقتهن بعد

الزواج.. ربما هي مخطوبة.. ربما لاتريد أن تتصل وكفى.. ثم ماذا أنتظر؟ ومن أنتظر؟

ألا يمكن أن تكون غبية.. أو سخيفة.. أو أنانية.. أو ساذجة.. أو مغرورة.. أوسطحية..

أو أي شيء آخر غير تلك التي رسمتُ لها صورةً في عقلي.. لايكفي أن أراقب ما تشتريه

من كتب لكي أحكم عليها.. ربما أنا على خطأ. لا يكفي أبداً أن تقرأ إحداهن الشعر

لتصبح ذكية.. حالمة.. طموحة.. ودودة.. هادئة.. محبة.. مثقفة.. و... ولكن .. صوتها

كان يفيض عذوبة وهي تسأل الموظف عن الديوان.. خطواتها في المكتبة كانت رشيقة..

جميلة.. واثقة.. متزنة.. ..ربما أنا واهم .. هل يصور لي عقلي حتى الاتزان والثقة

والجمال في خطوات امرأة بالكاد رأيت كفيها فقط؟؟! هذا لا يعقل.."

نام عبدالله وفي داخله قليل من الشعور بالإحباط لكنه استيقظ على رنين هاتفه.

نظر إلى ساعته قبل أن يرد وكانت تشير إلى الثالثة صباحاً ثم تذكر أنه كان ينتظرها.

التقط سماعة الهاتف وقال:ـ الو
ولم يجبه أحد..فكرر
ـ الو .
جاء صوتها متردداً هامساً، ينساب بذات العذوبة التي سمعها في المكتبة:
ـ الو...
ـ أهلا ً.
ـ أعتذر.. لأني أيقظتـُكَ كما يبدو لكن.. كنت.. كنت مترددة في الاتصال.
بدا له توترها فأجابها:
ـ أهلا بكِ.. لا تعتذري .. كنت أنتظرك.

بقيت مها على الهاتف صامتة وعبد الله ينصت إلى أنفاسها، وعندما أيقن بأنها

لن تبادر بالحديث قال:
ـ تحبين الشعر ؟

أحس بأن سؤاله ليس هو البداية الجيدة في مثل هذا الوقت وهذا الموقف

لكنه لم يجد ما يبدأ به.

ـ نعم.. وأحفظ الكثير من القصائد..


وعاد الصمت. استوى عبدالله جالسا في سريره طارداً النوم من رأسه لكي يرتب

أفكاره ويدير حوارا يجعلها لا تنفر منه ثم تغلق الهاتف ولا تعود ثانيةً. على أن

الحديث مع النساء عبر الهاتف ليس بالأمر الجديد عليه.. لكن هاهو الآن يشعر

بالبهجة لاتصالها.. ويود أن يستبقيها.

ـ أظن أنك طالبة. ماذا تدرسين؟
ـ لا.. أنا تخرجت العام الماضي.. أعمل معلمة.
ـ أنت أيضاً من خريجات 1406؟
ـ ماذا تقصد بأيضاً..؟
ـ حكاية قديمة بعض الشيء.. لا تشغلي بالك الآن. ساخبرك فيما بعد، لكن ما تخصصك.. إن كان لايزعجك أن تخبريني؟
ـ ماذا تتوقع ؟
صمت قليلا ثم قال:
ـ اشتريتِ روايات ودواوين وبحثتِ عن ديوان الثبيتي.. أتوقع أن
تكوني معلمة لغة عربية.

أنصت بسعادة إلى شهيقها الخافت قبل أن تقول:

ـ كنت تراقبني إذاً وتعرف ماذا اشتري!! ثم ..ألا يحق لمن درست الكيمياء
قراءة الروايات والشعر؟ لكن قل لي لماذا وضعت خطوطا تحت بعض الكلمات في الديوان؟
ـ اخبريني باسمك ثم أجيبك.

أربكها السؤال.. أخافها. خطر ببالها تلك اللحظة خاطر يقول: "ماذا لو أنه كان

واقفا في سيارته عندما التقطتُ الكتاب من أمام المكتبة ثم تبعني وعرف بيتي ..

ماذا لو هددني فيما بعد بأن يشوه سمعتي إن لم أستجب لكل ما يأمر به.. ويلي..

سيقتلني أبي.. سأقتل نفسي قبل أن يفعل"

شعر عبد الله بخوفها فقال لها:

ـ آنستي لا تقلقي.. اسمك فقط.. لقد كتبتُ لك اسمي مرتين. هل اخبرك باسم أبي
وعائلتي؟ اسمي عبد الله عبد الواحد مراد شوكت. ابحثي الآن في دليل الهاتف
وستجدين الاسم صحيحا ورقمي مسجل معه.

وأمام اقـتـناعها بصدقه واندفاع كلماته القوي نحوها أغمضت عينيها
ونطقت بصعوبة:

ـ اسمي... مـ ـها.. .. أخبرني الآن .. لماذا وضعت خطوطا في الديوان.؟
ـ هل ستصدقين ما سأقوله لك يا مها ؟
ـ قل وسنرى .
ـ بعد أن رأيتكِ في المكتبة عدت إلى الديوان أقرأ فيه فشعرت بأني أنا
من كتب بعض كلماته عنك.. لك.
ـ لي أنا ؟!.. ومن أين تعرفني لتشعر بأنك تكتب لي شعرا.ً؟
ـ دعينا لا نتحدث عن هذا الأمر الآن.. سأخبرك لاحقاً.؟
ـ أرجوك.. قل ماعندك.
ـ ليس عندي شيء.. غير أني أظن أن بيننا أشياء مشتركة.
ـ أنا وأنت.! مثل ماذا.؟
صمت قليلاً ليفكر.. ثم قال:
ـ أنا وأنتِ نسكن أبها.. ألا يعد هذا أمراً مشتركاً.؟
ضحكت مها فتابع:
ـ لاتقولي إن آلاف البشر يسكنون أبها غيرنا.. لأنهم الآن نيام ونحن مستيقظان.
ـ دعك من هذا وهاتِ شيئا آخر نشترك فيه.
ـ أنا وأنتِ أحببنا ذات الديوان لذات الشاعر. زرنا ذات المكتبة في ذات اليوم.

ظلت تضحك مما يقول وهو يحاول مازحاً اقناعها بما بينهما من أمور مشتركة.

ـ افتحي النافذة وانظري إلى القمر الآن وأنظر إليه أنا أيضاً فيصبح النظر إلى
القمر في ذات اللحظة أمرا مشتركا بيننا.. ما رأيك.؟ أليس من الرائع أن
نشترك في القمر.؟

واستمر الحديث بينهما إلى أن وصل إلى بعض جوانب حياتهما. أخبرها بأنه

انهى زواجه من فتاة طيبة قبل موعد الزفاف لانهما لم ينسجما معاً. تحدثا عن

المجتمع وعاداته.. الطقس وبرودته.. الشعر وعذوبته.. الروايات.. والهوايات..

قال لها بأنه يهوى السفر والقراءة والرياضة وكتابة الشعر أحياناً. يجيد العزف

على العود. عمره أربع وثلاثون سنة. تخرج قبل سنوات من جامعة البترول والمعادن

ويعمل الآن مهندسا في شركة الكهرباء. يسكن مستقلاً في الدور الأرضي ويسكن

أبواه في الدور العلوي من ذات الفيلا وبين الدورين في نهاية السلم باب يستطيع

عبدالله إغلاقه أو فتحه متى شاء. يصعد إليهما في وقت الوجبات غالباً ليتناول طعامه

معهما. له أخ وثلاث أخوات كلهم أكبر منه وكلهم متزوجون وعندهم أولاد صاروا

في المرحلة الثانوية. ثم وعدها بأن يعطيها الكثير من الكتب التي يحضرها من خارج

البلاد كلما عاد من سفره. ووعدها أن يغني لها إن وافقت على أن تغني معه. سألته:

ـ تقصد أنك تستطيع تهريب الكتب الممنوعة؟
ـ في كل سفرة أشتري كتاباً واحدا فقط، أو اثنين إن بالغت. الكثير من الكتب
يلفت النظر لكن كتاب واحد يمكن تمريره بين الأغراض الشخصية.


وبرغم أن جميع أفراد أسرتها قد خلدوا إلى النوم إلا أنها قد أكدت له مرارا

ً أثناء حديثهما بأن عليه أن يصمت تماما وأن يغلق الهاتف مباشرة في حال

ارتفعت السماعة الأخرى التي في صالة الجلوس. فأكد لها حرصه على ألا

يصيبها مكروه. شعرت بنبرات صوته الصادقة وهو يؤكد لها خوفه عليها أكثر

من خوفها على ذاتها.

استمتعت بالحديث معه واطمأنت إليه. وكلما نظرا إلى الساعة وجدا أن

الوقت مبكرا على إنهاء المكالمة إلى أن صارت الساعة السابعة والنصف

صباحا ً حينها انهيا المكالمة على وعدٍ من مها باتصال جديد.

أغلقت الهاتف ونامت بعد أن قررت الغياب عن مدرستها ذلك الصباح لأن الوقت

قد تأخر كثيرا ولأن النعاس يملأ جفنيها ولأن شعوراً لم تجربه من قبل يملأ

وجدانها. أما عبدالله فقد ارتدى ثيابه وهرول إلى عمله والحبور يملؤه.
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #4 (permalink)  
قديم 03-11-2008, 08:53 AM
الصورة الرمزية AnGeL
المشرف التقني
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 2,469
شكراً: 17
تم شكره 21 مرة في 21 مشاركة
مزاجي:
AnGeL تم تعطيل التقييم
افتراضي

استيقظت مها في الرابعة عصرا على رنين الهاتف وعندما أجابت إذا بصديقتها
فوزية تريد الاطمئنان عليها وتستطلع سبب غيابها فأكدت لها مها أن صداعا
داهمها الليلة البارحة وحرمها النوم طوال الليل. بررت غيابها أمام
والدتها بذات المبرر الذي قالته لفوزية، ثم بدأت تسترجع سهرتها الممتعة،
وكم أسعدها الحديث مع عبد الله. "لابد أنه نائم الآن فقد قرر أن يذهب إلى
عمله في الصباح" هكذا حدثت نفسها. "سأنتظر ساعة أخرى ثم أتصل به".

لكنها لم تتماسك أكثر من ربع ساعة ثم بدأت بالضغط على أرقام الهاتف الذي
في الصالة لتضمن عدم استخدامه من قـِبـل أحد من أهلها وعندما أجاب قالتْ له:


ـ الو..أنتِ نائمة.. عودي إلى النوم وسأتصل بعد ساعة.

أدرك عبدالله أن حولها أحد من أهلها لأنها تحدثتْ إليه بصيغة المؤنث وجاء صوته النائم يرجوها:

ـ لا تغلقي الهاتف.. دعيني أنام وأنا أستمع إلى أحاديثك.
استمرتْ مها تحدثه بصيغة المؤنث وقالت له:
ـ هل أنتِ جادة ؟ لاأعرف كيف أتحدث دون أن تجيـبـيني؟
ـ أعطيني رقم هاتفك إذاً.. وسأتصل بك أنا حين أستيقظ.

ظلت صامتة.. فعرف أنها لن توافق على أن تعطيه رقمها. فقال:
ـ مها.. أرجوك .. لا تـضيعي مني.

أسكرتها عبارته. أشعرتها بحجم تمسكه بها. اقتنعت بأنه لا يتسلى بها. ولا ينوي ذلك. قالت:
ـ سأتصل بكِ.. أعِدُكِ.. نامي الآن.

عاد عبد الله إلى نومه. وظلت أصداء جملته "لا تضيعي مني" تتردد في أرجاء روحها.

استيقظ على رنين الهاتف من جديد وكانت الساعة السادسة مساءً.قال بلهفة:

ـ يا هلا وغلا.

قالت: ـ أعرف أن عليّ أن أترككِ لتنامي أكثر لكن.. ها أنا أتصل.

ارتاح إلى عبارتها، أدرك بأنها تود الحديث معه كما يود هو.
ـ مها.. هل يجلس أحد إلى جوارك ؟

ـ لا.. أنا في صالة الجلوس وصوت التلفزيون يغطي صوتي وغرفتي مغلقة
بالمفتاح والمفتاح معي وأمي مشغولة ببعض النسوة المسيارات عندها،
وبرغم كل هذا أفضل أن أتكلم معكِ هكذا، احتياطاً فقط.

ـ حدثيني بأي صيغة تشائين.. المهم أن تحدثيني؟.

ابتسمت لعبارته ولم تـُجب. فعاد ليقول:
ـ مها.. راجعتُ بيني وبين نفسي حديثنا البارحة وشعرت بأنني مندفع جداً نحوك
وأخاف أن يزعجك اندفاعي.

ـ لستِ مندفعة.. لقد سألتـُكِ كثيرا ولم تجيـبي، ولو كنتِ مندفعة لأخبرتـِني دون أن أسألكِ حتى.
ـ أخبرك بماذا ؟

ـ هل استمعتِ إلى سؤالي عن الديوان بالصدفة عندما كنا في المكتبة؟ أم كنتِ تراقبينني؟ وهل تعطين كل امرأة تصادفينها في مكتبة ماتريده من كتب؟

ـ هل يمكن أن أؤجل الإجابة ؟

ـ لماذا ؟
ـ لأني أريد أن نتحدث عن أشياء عديدة تكسبك الثقة فيّ. تعرفك عليّ أكثر فتدركين كيف أفكر دون أن أشرح موقفي.

استمرت مها تتصل بعبد الله كل يوم. ثم أصبح الاتصال عدة مرات في اليوم. صارا لا يتركان شيئا لا يتحدثان عنه. حتى برامج التلفزيون، يتفقان معاً على متابعة ما يروقهما. تناقشه فيما تقرأ وتسعد كثيراً بحواراته الرصينة وآرائه المتفتحة. امتثلت لما يقول بخصوص ما تشتري من كتب وصارت تقرأ أكثر وأكثر لكي تتمكن من متابعة ما يقوله بوعي واقتدار. صارا ينامان فيوقظ أحدهما الآخر. يخرج فيخبرها عن كل تحركاته. يعزف وتنصت عبر الهاتف إلى غنائه.

سألها لمن تسمع بعد أن عرف بأن والديها لا يحرّمان الغناء ولكن لا يحبذان تربية أبنائهما عليه. أو ربما لا يكترثان للأمر لكنهما على كل حال لم يشتريا شريطاً لمطربٍ أبدا. وحين سألها عن بعض الأسماء الكبيرة أخبرته بأنها تكاد لاتتذكر اسم أغنية من أغنيات فيروز أو أم كلثوم.


قالت:ـ أنا أحب محمد عبده وطلال مداح.
ـ ومن منّا لا يحب محمد عبده وطلال مداح. لكني أسألك عن فيروز وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد.
ـ كنت أسمع بعض أغنياتهم في التلفزيون قبل أحداث الحرم المكي.. وبعد أن توقف عن البث لهم منذ عام 1400هـ لم أعد أستمع.

قال ضاحكاً ـ إذاً هذا خطأ التلفزيون.

قالت جادة ـ نعم خطأ التلفزيون. إن لم يكن أخطأ بحقي كمشاهدة فبحق نفسه لأنه رضخ لتعليمات جهيمان وللمدرسة التي ينتمي إليها. وبرغم إن جهيمان قد قُتل إلا أنه ترك وراه من يتابع تنفيذ أوامره. ترك تلامذةً مخلصين يخططون.....
ـ واو .. ملاحظة دقيقة يامها بشأن انصياع التلفزيون لضغط جهيمان وجماعته.. لكن لا تبالغي فيما يخص أمر تلامذته.. ليس سوى جاهل متعصب تبعه مجموعةٌ من الجهلة المتعصبين.

ـ الأيام بيننا.. هم جهلة. نعم .. هم كذلك.. لكن هذا لايعني أن الجهلة لايدمرون ما حولهم.. سيسعون إلى تحقيق مرادهم.. وإذا لم يتغير وعي الناس سترى ماسيفعلون غداً.

ـ تستنتجين هذا بناءً على ماترينه من معطيات. لكني أظن أنهم يمسكون بطرف شعرة معاوية وسيرخونها إن شدتها الحكومة ويشدونها إن أرختها لهم. سيحافظ الطرفان على الشعرة لأنهما يحتاجان إلى ذلك. لا أتحدث عن جهيمان وإنما عن المتشددين بشكل عام على اعتبار أن ملة الكفر واحدة. أما التمرد الذي قادة جهيمان فليس سوى تطور غير متوقع للاستثمار الذي حققه الملك فيصل حين رحب بالأخوان المسلمين لإضعاف عبد الناصر في الستينات. لكن.. نستطيع تجاهل ما يفعلون الآن ونعود إلى الغناء. أليس الحديث عن الغناء أجمل من الحديث عن تيارات متطرفة..؟
ـ بالتأكيد.. ماذا كنا نقول؟

ـ دعينا نبدأ بشراء بعض الأشرطة. وبما أنك تحبين الشعر وتحفظين الكثير منه فعليك أن تبدئي بـأغنية (غنيتُ مكةَ) لفيروز. عديني الآن أن تستمعي إليها مرتين. اسمعيها بقلبك يامها وليس بأذنيك.. ستشكرينني على انتقائي..
ـ أعدُك.

بسرعة كتبت مها اسم الأغنية على ورقة صغيرة ودفعت بها إلى السائق مع المبلغ المطلوب. وخلال نصف ساعة كانت مها تنصت إلى فيروز تشدو:

غنيتُ مكـةَ أهلها الصيدا والعيدُ يملأ أضلعي عيدا

عادت مها إلى الهاتف لتخبر عبدالله بأن تأثرها وصل حد البكاء بعد أن استمعت إلى الاغنية مرتين وفي الثالثة كتبتها في كراسٍ خاص بالأغنيات.

ـ ماهذه الأغنية.. يالله.. كلمات تهز الوجدان ولحن في غاية التطريب.. وصوت كأنه صوت ملاك. كلها تجتمع في أغنية واحدة..!! سبحان الله.

سُـر عبدالله من قدرتها على تذوق الأغنية. وكان قد وضع احتمالاً بألا تستسيغ هذه الآلوان التي لم تعتد عليها. قال لها:ـ الآن أستطيع أن أعطيك قائمةً بأسماء الأغنيات التي ستشترينها وتستمعين إليها جيداً.. تعرفين أغنية (كفي الملام) لشادي الخليج؟
ـ أظن أني سمعتها وأنا طفلة في التلفزيون.

ـ هذه الأغنية يجب أن تستمعي إليها بأعصابك.

ـ ولم َ كل هذا ؟
ـ لأنها للشاعر فهد العسكر.؟
ـ ومن فهد العسكر..؟
ـ آه.. ما أكثر المظلومين والمنبوذين بغير ذنبٍ سوى التميز. سأخصص جلسةً كاملة على الهاتف لأحدثك عن هذا الشاعر الكويتي الرقيق وأقرأ لك بعض قصائده.. لكن اكتبي اسم الاغنية (كفي الملام) القصيدة طويلة جداً يامها.. لكن المطرب انتقى عددا من الأبيات، قصيدة ستبكيك بالفعل لو قرأتِها. واكتبي ايضاً (وُلِدَ الهدى.. وسلوا كؤوس الطلا) لأم كلثوم.. وإن لم تجدي أياً منها عند الاستديو فهي عندي. سأعمل لك نسخة ورتبي أنتِ كيفية أخذها. يهمني أن تسمعي أيضاً (الأطلال) لأم كلثوم.

ـ أظنك تختار الأغنيات الأصعب لأم كلثوم..
ـ لا.. أحاول أن أنتقى الأجمل .. لا تقلقي سنعرج على الآخرين.. نجاة الصغيرة.. مثلاً.. سأغني لك أغنيتها (عيون القلب) لاحقاً وسترين كم هي رائعة.. لكن دعينا نبدأ ونحفظ.
ـ ألا تحب الأغاني الخليجية..؟

ـ بالتأكيد أحبها كثيراً، لكن لم أذكر منها إلا (كفي الملام) لأني أعرف أنك مستمعة جيدة لعمالقة الطرب في جزيرة العرب.

كتبت مها أسماء الكثير من الأغنيات. والكثير من الكتب. وصارت لا تقرأ وحسب. بل وتدون بعض الملاحظات لتناقش عبدالله أو تسأله.

اكتشف عبد الله أن في النساء من استطاعت أن تمرر الموروث عبر غربالها الخاص. أن تقبل أو ترفض ما تقرأه وتسمعه. أن تتساءل ولا تستسلم لكل مالقنوها. لقد ظن وفق مالاحظه على والدته وأخواته، وعلى بنات أخواته .. وزوجة أخيه، أن النساء متلقيات دوماً. كما أدرك هذا من خلال علاقاته المتعددة بالنساء ومن خلال ما يعرفه عن حال المجتمع كله. لا يستثني من قريباته إلا أريج ابنة أخيه.. لكنه يعلم أن نجاتها كانت بفضله هو لأنه كان يقنعها بعكس ما تقرأه في مقرراتها المدرسية عن المرأة وحقوقها. ارتاح لاكتشافه الجديد.

ـ مها كيف خرجت عن المألوف.. النساء متشابهات في مجتمعنا.. أو هكذا أعتقد. لكني أراك مختلفة.
ـ ماذا تقصد بتشابههن.. وفي ماذا اختلفتُ عنهن.

ـ أظن.. وأؤكد على أنني أظن.. أن الكثيرات يعشن الأيام كيفما اتفق. لايُجدن التخطيط.. ولم ينعكس التعليم على حياتهن. ألاحظ أحيانا أن التي تجاوزت الثلاثين لم تنضج بما يكفي لتكون امرأة في الثلاثين. ظل تفكيرها وانفعالاتها كمن لم تتجاوز سن المراهقة. أنتِ مختلفة بالرغم من أنك درستِ في ذات المدارس وتلقيتِ ذات العلوم. وخبراتك تنحصر في البيت والمدرسة. وتقولين أنك لم تسافري خارج البلاد قط.

ـ نعم .. أنا لا أملك حتى جواز سفر. أنا لا أعرف من مدن المملكة سوى أبها ولم أغادرها منذ ولدت. ليتني أسافر.

هاهو الآن يكتشف أن مها فتاة استطاعت برغم التلقين الذي طالها كما طال الجميع أن تطور ملكة النقد في عقلها. وأن تحكم على الأشياء وفق رؤيتها الخاصة. وهذا ما شجعه على أن يجمع من مكتبته عددا من الكتب التي جلبها من خارج الحدود.

سألته:ـ ماذا ستعطيني من كتب ؟
ـ هل قرأتِ شيئا عن أخوان الصفا.؟
ـ لا .. الحقيقة أني حتى لم أسمع بهذا الاسم.؟
ـ والوجودية.. هل قرأت عنها.؟
ـ قرأت بعض النقد لها فقط.

ـ جمعت لك كتباً عن المعتقدات الدينية القديمة في الهند وبلاد الرافدين ومصر، وكتاباً لسارتر بعنوان الوجودية مذهب إنساني. بالإضافة إلى رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا.

ناقش عبدالله مع مها كيفية إيصال الكتب إليها. أخبرته مها عن تلهفها إلى قراءة ما انتقاه لها. لكنها لا تدري كيف تأخذها منه. ثم اقترح عبدالله أن يضعها في ظرف كبير مغلق ويكتب على الظرف اسم مها ويعطي حارس المدرسة والحارس بدوره يعطي زوجته المستخدمة وتكون مها في انتظارها بالداخل.
سألها:ـ مها .. من أثر في تربيتك أكثر.. أبوك .. أم أمك..؟
ـ جدتي رحمها الله.

ـ أوه .. هذا جميل .. الجدات عندهن الركن الأكثر دفئاً في البيت. حدثيني عنها.
ـ سألتها ذات يوم (جدتي هل أحببتِ .. هل جربتِ الحب..؟) فقالت لي: يا ابنتي مامن شجرة إلا وحركها الهواء. قلت لها: كل الأشجار ياجدتي تتعرض للهواء والشمس.. لكن نحن نشبه نباتات الظل.. لسنا لشيء سوى الزينة.
علق عبدالله ـ هذا صحيح.. مامن شجرة إلا وحركها الهواء.

سألها ـ وكيف أصبحت قارئة..؟ من عودك على حب الكتاب.؟ ومتابعة ما ينشر.
ـ الصدفة فقط هي التي جرتني إلى هذا العالم الممتع.. كنا في الصيف وقد نجحت من الصف الخامس للسادس عندما سكنا هذا البيت الذي نحن فيه الآن. وقبل أن تنتهي الإجازة المدرسية كان أبي قد اشترى مكتبة ووضعها في جزء من البيت لم يكن يعلم ماذا يفعل به. إنه الجزء المقابل لمجلس الرجال. مساحة واسعة ولا تصلح لشيء.. إلا لمكتبة.
ـ إذاً فوالدك يحب القراءة.

ـ لا.. هو لم يفتح كتاباً واحداً منها إلى الآن ولايدري ماذا تحوي كتب المكتبة.. لكن عندما قرر ورثة أحد الرجال التخلص من مكتبته رأى أبي أنها مناسبة لذلك الجزء من البيت لأن خشب الأرفف جميل والكتب مرتبة بشكل أنيق. أذكر أني وقفت أتأمل الرفوف الكثيرة والمنظمة. حيث اشترط والدي على العمال الذين نقلوها تركيبها بذات الكيفية التي رآها عليها. فاضطر العمال إلى ترقيم الأرفف وربط محتويات كل رف على حدة ثم وضع رقم الرف على كل مجموعة من الكتب ليعودوا ويضعوها في مكانها بالضبط. وبهذا صار عندنا مكتبة لا أحد يقرأ منها غيري . وقعت عيني أول مرة في ذلك الوقت على رواية العنكبوت لمصطفى محمود. في البداية كنت أظن أنه كتاب فيه صور حشرات أو حيوانات. لكني بدأت أقرأ.. وشدتني الرواية. ثم توالت القراءات. ركزت حينها على أرفف الروايات والمسرحيات ثم تنقلت بين الأرفف بعد ذلك وحين أتيت عليها تقريباً بدأت أشتري الكتب.
ـ وماذا كان رأيك في العنكبوت.؟

ـ حين كنت طفلة أذهلتني الرواية. لكن عندما قرأتها مرة ً ثانية بعد أن أصبحت في الكلية أكتشفت أن الكاتب يضطر إلى إقحام الصدفة كثيرا لحل العقدة في روايته.
ـ ستجبرينني على العودة لقراءتها من جديد لكي أتيقن من صحة نقدك لأني لا أذكرها. لكن من أعجبك واستمر إعجابك به إلى الآن من الذين قرأتِ لهم؟
ـ لازلنا نتحدث عن الروايات والقصص.. أليس كذلك.

ـ نعم .

ـ كثيرون جداً من أحببت كتاباتهم.. أحببت كل مسرحيات توفيق الحكيم.. قرأت كل ماكتب تقريباً .. وأعدت القراءة أكثر من مرة.. وتمنيت لو أن انتاجه أضعاف مابين يدي.. بالإضافة إلى الروايات العالمية المترجمة..
ـ نأتي الآن إلى الكتب.. في أي مجال تفضلين القراءة..؟
انتبهت إلى كثرة أسئلته فقالت مبتسمة:ـ هل تحقق معي؟ أخبرني أنت كيف أحببت العود وكيف أحببت الكتاب.. وكيف تعلمت الغناء.. حدثني عنك.؟


تغيرت حياتهما مع الوقت. صارت البهجة ظاهرة عليهما دون أن يدرك أحد ممن حولهما مبررا لكل هذا التفاؤل والسرور. ولم تعد مها قادرة على إخفاء سعادتها عن الجميع . كادت تخبر زميلتها فاطمة عن الأمر لولا أنها تذكرت أن فاطمة دائما تنقل لها أخبار الأخريات وأسرارهن.. "إذاً ستتحدث عني معهن أيضاً" هكذا قالت لنفسها. ثم انفردت بصديقتها فوزية في زاوية من غرفة المعلمات وأطلعتها على كل ما لديها. وبعد أن ازداد بريق عينيها وتنهدت كثيرا وهي تردد اسم عبدالله أثناء حديثها عنه، استمعت إلى لوم صديقتها وتحذيراتها من مغبة التورط في علاقة قد تدمر مستقبلها في حال انفضح الأمر أمام أهلها أو أي شخص في المجتمع ولكن مها ظلت على قناعاتها بأن عبد الله هو من تريد من هذه الدنيا.
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #5 (permalink)  
قديم 03-11-2008, 08:54 AM
الصورة الرمزية AnGeL
المشرف التقني
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 2,469
شكراً: 17
تم شكره 21 مرة في 21 مشاركة
مزاجي:
AnGeL تم تعطيل التقييم
افتراضي

6

تساهم أسماء في رفع مستوى أسرتها الاقتصادي إذ أنها بعملها
كمعلمة تتقاضى في السنة الأولى من تعيينها ستتة آلاف ريال
شهريا قد ساعدت والدها على تسديد ديونه وتجديد أثاث بعض
الحجرات في بيتهم المتواضع. كما وتمكن من شراء الثياب
الجديدة والطعام الجيد لأفراد أسرته. وتمكن أيضا من ادخار
بعض النقود. ولا يتوقف والداها الطيبان عن ترديد الدعوات
بأن يحقق لها الله ما تريد ويهبها ما تستحق إذ لم تكن إلا بارةً
بهما مشفقة عليهما، تسعى لراحتهما ورضاهما. ولكنها هذه
الأيام بدأت تهمل عملها وتنطوي في حجرتها بعد ما ألم بها في
الأيام القليلة الماضية.

فقد استيقظت قبل الفجر كعادتها وهمت بالقيام لتتوضأ لكنها
سمعت صوتا يناديها. أخافها الصوت الذي تجهل مصدره.
جلست في سريرها واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم إلى
أن اختفى الصوت. هي متأكدة أنها سمعت من يناديها بعد أن
استيقظت وليس أثناء النوم. لم تكن رؤيا ولا حلم. كان صوتا
حقيقيا استمر يناديها بعد أن جلست على طرف سريرها.
ق امت إلى كتاب الله تقرأ بعض آياته ثم صلت ركعتي
التهجد قبل آذان الفجر.

وفي نفس اليوم قبل صلاة العصرعاد الصوت يناديها من جيد
وكانت هذه المرة مستيقظة تماماً. خافت من النداء. لابد انه
شيطانا يريد إغواءها فأسرعت إلى سجادة الصلاة.

شغلها الصوت الذي يتردد داخل غرفتها. يختفي حينا ويعاوده
ا أحياناً. ظلت على هذه الحال أكثر من أربعة أشهر.
وعندما يناديها تسمعه خافتا كأنه يأتي من بعيد. ثم يقترب
شيئا فشيئا إلى أن يصبح قريبا منها وكأنه معها .
كأنه رجل في داخل الحجرة لكنها لاتراه. وتحاول أسماء
كل مرة أن تكتشف مصدر الصوت. لم يقل لها شيئاً.
فقط نادى اسمها ولم تجبه أبداً. تخاف أن تقول له نعم.
تخاف أن يؤذيها فهي لاتدري بعد من هو وأين هو.
وصارت تقضي أيامها وكأنها في فيلم رعبٍ لا ينتهي.

ألحت عليها والدتها بالسؤال عن سبب تغيرها،
إذ لم تعد تأكل كما ينبغي ولا تهتم بنظافتها الشخصية
كما عهدتها وتتغيب كثيرا عن عملها دون سبب.
كاد قلب الأم أن يُنتزع عندما أخبرتها ابنتها بأن صوتاً
يتردد في حجرتها بين الحين والآخر.

نامت الأم تلك الليلة مع ابنتها. صلت المغرب والعشاء
ف ي حجرة ابنتها وقرأت كل السور القصيرة التي تحفظها.
الصوت لم يأتِ هذه الليلة، وهذا ما جعل أسماء تدرك أنه
يحبُ الانفراد بها. لايريد أن يسمعه أحد غيرها.

عادت أسماء إلى حياتها بشكل شبه طبيعي بعد أن صارت
والدتها لا تنام إلا معها. وتحرص على أن تساعدها في استحمامها
وتأنقها. كما وتحرص على دفعها بمودة بالغة للذهاب إلى عملها.
وكلما تقهقر حال أسماء عادت أمها تساندها من جديد. ثم أخبرت
زوجها بما تقوله ابنتها عن الصوت الذي يناديها. فذهب الأب
من فوره وأحضر شيخاً يقرأ القرآن الكريم على أسماء.

ـــــــــــــــ

7

مرت الأيام لتزيد من اقتناع عبدالله بفتاته
وليزداد يقين مها بأن عبدالله رجلها الذي طالما حلمت به.
لكنه وبرغم كل هذا التقارب والثقة المتزايدة والشوق الظاهر
في لهفته عليها وانتظاره لها، لم يقل بأنه يحبها. وظلت حائرة
تسائل نفسها عن نوع العلاقة التي تربطهما. لماذا لا يتحدث
عن الحب والزواج..؟ أيعقل أن يكون كما قالت فوزية
(مجرد رجل يريد أن يتسلى بقلب امراة)


أرهقتها الظنون وملأت رأسها الوساوس.
طلب منها أن يراها.. أن يتعرف إلى شكلها
أن يجلسا معاً وأن يتحدثا كما يتحدثان على الهاتف.
هل يستدرجها كما تقول فوزية؟
(مستحيـل)
بهذه القطعية جزمت مها.
ثم عادت إليها وساوسها
(فلماذا لايريد أن نتحدث عن مستقبلنا؟)

وضعت وجهها بين كفيها وبكت, بكت لأنها أحبته,,,
أحبته ولم تعد قادرة على الابتعاد عنه. لكنه يهرب من الحب.
وهذا ما يجعلها لا تجرؤ على إخباره مالم يخبرها هو بأنه أحبها.


يلمّح عبدالله دائما إلى رغبته في أن يرى
مها فتخبره بأنها تتمنى أن تراه هو أيضا. وبرغم كل
الكلمات التي وصف عبدالله بها نفسه وكل الكلمات التي
وصفت مها بها نفسها بقيت صورة كل واحدٍ منهما خيالاً ف
ي عقل صاحبه. وكم تمنّيا أن يتيقنا من تلك الصور.


أخبرته ذات مرة بأنها ستذهب إلى السوق
لتشتري بعض الثياب والعطور.
ـ ستكونين وحدك؟
ـ نعم .
ـ سآتي لأراك.
ـ أنا من ستراك. أما أنت فستراني كما رأيتني في المكتبة بذات الأغطية والعباءة.
ـ سأقف إلى جوارك. , سأمشي معك وأمسك بيدك.
ـ لا تكن مجنوناً. لو انكشف أمرنا فسأموت رعباً.
ـ فديتُ روحك ياغالية . سأكون هناك وسترينني ولن أرى سوى عباءتك الثقيلة.


بعد صلاة العصر وقف بسيارته في المواقف
المكتظة بالسيارات ينتظرها من بعيد وعندما أقبلت سيارتها
تهيأ للنزول. نزلت مها ومشت متجهة إلى داخل السوق
مشى عبد الله خلفها دون أن يقترب منها ودخل من البوابة مع الداخلين.


كان يحمل كيسا في يده ليوهم من يلاحظ دورانه
في الأسواق بأنه اشترى شيئاً

بحثت مها عنه بعينيها فلم تدرِي أين هو.
دخلت المحلات واحدا تلو آخر وكان لايدخل خلفها
بل ينتظرها من بعيد
وبينما هي في محل للعطور والمكياج
تجمع ما تريد ثم تفتح شنطة يدها لتدفع قيمة
مشترواتها وقف شابٌ بقربها فجأة حتى كاد أن
يلتصق بها وابتسم لها ثم سأل البائع عن سعر
المشتروات فتيقنت من أنه هو من صوته.
أخرج محفظة نقوده دون أن يكلمها وناول ا
لبائع ثمن ما جمعته.

أدرك البائع ما يحدث وابتسم لهما.
أخذ عبدالله الكيس المملوء بالعطور
وأقلام حمرة الشفاه ووضعه في يد مها
ضغط على كفها وأبقى يدها في يده للحظات ثم
ابتعد بسرعة قبل ان يلاحظه أحد
لاحقته بعينيها المخباة خلف غطا وجهها
كادت تسقط على الأرض لفرط ذهولها
شعرت بلمسته في تجاويف قلبها وليس على يدها فقط .
خرجت من المحل تبحث عنه .
\ لكنه قد اختفى.


جلس عبدالله في سيارته يستمع إلى فيروز و
يراقب مخرج السوق ليرى مها عند عودتها إلى
سيارتها التي يجلس فيها السائق منتظر.
وبعد أن رآها تعود وتركب السيارة
انطلق إلى البيت وجلس بجوار الهاتف.


اتصلت به فور عودتها وقالت بلهفة:
ـ كم أنت وسيم يا عبودي ما أجملك.

هكذا رأته عيونها وإن لم يكن باهر الجمال كما
صارت الآن مقتنعه

ابتسم للاطراء وتساءل مستحثا إياها لتمتدح شكله من جديد.
ـ أعجبك شكلي ؟

ـ ياالله .... أكاد لا أصدق. أحقاً ذاك الشاب الوسيم هو
أنت ! أنت من وقف إلى جواري ولامس يدي! رموشك طويلة
شواربك مرسومة بشكل بهي أسنانك بيضاء
شفتاك وردية أكاد لا أصدق أني رأيتك.
أغمض عينية استحساناً وقال لها
ـ كم يسعدني أن أكون مميزاً في عينيك.
ـ أرجو ألا يصيبك هذا بالغرور.
تنهد وقال
ـ لايصاب بالغرور من يهرول خلف عباءتك في الأسواق ياغالية.

اغمضت عينيها لعبارته وقالت في أعماقها "كم أحبك"

ثم قالت له:
ـ عبودي أنت لا تدخن. أليس كذلك..
ـ نعم أنا لا أدخن. ولا أنوي ذلك.
ـ لكن ..... لكن أنت تشرب . ألا تخاف على صحتك..؟
ـ وهل قال لك أحدهم بأني لا أفيق ؟ ربما أشرب كل عدة أشهر
مرة ولا أصل للحد الذي ترينه في الأفلام العربية.
لست مدمنا على شيء فلا تقلقي .
ـ لكن . ألا تخاف أن تدمن .
ـ لا طبعاً ...... لا ..... لكن لمَ سألتِ عن التدخين.

ابتسمت وقالت
ـ أظنك تعرف لماذا قلت سؤالي. لأن شفتيك
وردية وأسنانك كاللؤلؤ. وهذا نادر بين الرجال.

ـ شكرا يا غالية. دعيني أخبرك سراً اكتشفتـُه هذا اليوم.
لكني أود أن أسألك أولاً هل تعرفين قول الشاعر:
والساق خرعبة ٌ منعمة ٌ عبلتْ فطوقُ الحجل منسدُ
والكعبُ أدرمُ لا يبين له حجمٌ وليس لرأسـِهِ حدُ
ومشت على قدمين خصرتا والتفتا فتكامل القـدُ
ما شَـانَها طُولٌ ولا قِصَرٌ في خَلقِها فَقِـوَامُها قَصْدُ

ـ نعم. هذه الأبيات لدوقلة المنبجي. ماعلاقتها بالسر.؟

ـ السر هو أن دوقلةَ هذا سرق الأبيات مني. أنا القائل الحقيقي لها.
قلت أبياتي حين رأيت ساقك وقدميك اليوم.

ضحكت مها وتساءلت
ـ كيف رأيت ساقي وأنا أرتدي عباءة طويلة فوق تنورة طويلة.

ـ من فضل الله أنك لم تلبسي البنطلون تحت العباءة
وإلا لما رأيت ساقك عندما رفعتِ قدماً وتركتِ الأخرى
على الأرض لتصعدي إلى السيارة.
لقد ارتفعت ثيابُك ورأيت جزءاً من ساقك.

صمتت وهي تحاول أن تتذكر كل ماحدث فسألها

ـ مها.....هل تشفقين عليّ.؟

قالت باستغراب ـ ولماذا؟

ـ لأني أردد الشعر عن ساقيك قبل أن أرى وجهك.

ثم قال بتوسل بالغ
ـ أريد أن أرى وجهك يامها.
ـ وأنا أريد أن ترى وجهي ياعبودي. أنا أكره هذا الاختراع الذي يسمى عباءة.
ـ اختراع .. هل العباءة اختراع..؟!
ـ نعم .. اختراع مقيت.. أنا أشتم من اخترعها كل يوم.
قال مبتسماً
ـ ومن اخترعها.
ـ العرب.. ولم يخترعوا شيئا آخر..
ضحك وقال
ـ عندما اخترع العرب قدموا لنا هذه الورطة.


استمر الحديث بينهما طويلاً وظل عبدالله يحاول إقناعها
بأن تضع صورتها في كتاب وتحضره إلى المكتبة وهو
سيتكفل بالباقي لكنها رفضت بشدة.
وبرغم كل رجائه ظلت على ماهي عليه من خوف حيال
وضع صورتها في أي مكان. فضياع صورة واحدة كفيل بضياع سمعتها
وصنع فضيحة لها ولعائلتها. أو هكذا اقنعوها منذ أن كانت طفلة.
انها تثق بعبدالله جداً .
ولكن لا تثق بالظروف والملابسات التي ستحدث داخل المكتبة.

ماذا لو التقط الكتاب رجل غيره.؟


انقضت أشهر عديدة دون أن يعرف شكلها.
لكنه يعرف جيداً أن لا غنى له عنها. صارا يعودان من
العمل وينامان بعد تناول طعام الغداء ولا يستيقظان
إلا مساءً ليقضيا معا على الهاتف ما بقي من ساعات
الليل قبل أن تشرق الشمس ثم يقومان للذهاب إلى العمل.
انقضت أغلب أيامهما بهذا الشكل لأن الحديث في الهاتف
بعد الثانية عشرة ليلاً وكل من في البيت نيام يشعر مها بالطمأنينة.


بدأت مها تتألم في أعماقها لأن الحب يظهر
في خوف عبدالله عليها وشوقه إلى محادثتها وصدقه معها.
يظهر في تدليله لها بأعذب الكلمات. يظهر في ثقته بها
وإطلاعها على كل أسراره وأخباره. لكنه لايعترف أمامها بحبه
هي متأكدة من أنه يحبها. ومن أنه لا يعرف امرأة سواها.
بل ولايريد أن يعرف. فما الذي يجعله دائم الهروب من الاعتراف
بما في قلبيهما.


عبدالله ليس متسرعاً في كل أمره. يحب أن يعطي
كل شيء حقه، ويفضل دائماً التأني والتأكد .
ثم إن تجربته السابقة في الزواج جعلته يخشى الاندفاع
أكثر من ذي قبل.
ولذا قرر بينه وبين نفسه أن لا يقول لها (أحبك) إلا عندما يراها
وجها لوجه ويتأكد من شعوره تجاهها ساعة تكون معه
برغم يقينه الذي يملأ وجدانه بأنه أحبها. لكنه مصر على
ضبط نفسه وعدم الاستعجال.

أما هي فكم تمنت أن تخبره بحبها له لكنها
كلما اقتربت من الحديث عن نوع العلاقة التي
تربطهما لاحظت قدرته على تغيير الموضوع
والهروب منها قبل أن يسمعها تقول له ( أحبك ).

قالت له ذات حديث:

ـ عبودي.... أود أن أقرأ لك أبياتاً أحبها.
ـ هاتي أيتها العذبة.... على أنكِ أنتِ أعذب القصائد.
ـ من المفترض أن أسعد بكلماتك.....لكن.....
ـ ألا يسرك أن تكوني أعذب القصائد عندي؟
ـ يسرني أن أكون أعذب النساء عندك.

تنهد وقال لها
ـ ليس في الأرض نساء سواك يامها.

حدثت نفسها ( ياإلهي.... ليس في الأرض نساء سواي....
إلى هذا الحد يحبني....!!. فلماذا لايعترف بالحب)

ثم قالت له:
ـ أخاف من أن أكون عندك مجرد قصيدة عذبة.
ـ ثقي بقلبي يا غالية ففيه لك ما أعجز عن وصفه.
ـ حدثني إذاً عما فيه ؟
حدّث نفسه قبل أن يجيب عليها ( لستِ في القلب يامها....
إنك القلب ذاته )


ثم تنهد وقال
ـ سيخبرك قلبي شخصياً بمالك عنده حين نلتقي.
لن أتولى الحديث عنه. سأدعك تنصتين إلي ثرثرته
نبضةً نبضة..... وخفقةً خفقة..... ستتحدثان أنتِ وقلبي
ولن أتدخل بينكما. هيا ياغالية..... توّجي هذا المساء بترنمك الجميل.

تنهدت مها وبدأت تتغنى بأبيات لغازي القصيبي:
حسبي وحسبك حلم في تنفسه
ما في العوالم من طيبٍ ومن رغد

عشنا على راحتيه نشوة ًضحكت
لنا.....وما ابتســمت قبلاً على أحدِ
ماكـان يوما ولا يومين موعدنا
بل كان عمرا ً وعشـناه إلى الأبدِ

ـ آه ..... ياغاليتي.... لو أنك معي لكافأتك على انتقاء
هذه الأبيات بقبلة على جبينك. بماذا أكافئك وأنت بعيدة
عني هكذا ؟

ـ غنِ لي. اجعل غناءك مكافأتي المؤقتة
إلى أن يحصل جبيني على قبلاته.

فوجئت مها به يختار لها الأغنية التي أحبتها
كثيرا ً وحفظتها كلها. إنها أغنية ـ أنا عندي حنين ـ
للسيدة فيروز....
انصتت إليه وهو يردد

أنا عندي حنين ما بعرف لمين - ليلية بيخطفني من بين السهرانين

ثم غنى:
أنا خوفي يا حبي ...... لا تكون مها حبي
ومتهيأ لي لقيتك ...... ومها جوّا بقلبي ......


أثرت الأغنية فيها كثيراً......
صوت عبدالله عذب وأداؤه جميل والكلمات
رقيقة واللحن رائع. والمعنى ضمن الكلمات
يؤكد لها بإن عبدالله يحبها حتى وإن لم يخبرها بذلك.
بل هاهو يخبرها غناءً. سألها
ـ مها ...... مابك....؟
ـ أنا أبكي ..
ـ فديتُ دمـعـَك ياغاليتي. لم َ البكاء..هل أثرتْ بك كلمات الأغنية
إلى هذا الحد؟
ولم يسمع سوى نشيجاً متواصلاً
فتأثر لبكائها وقد أدرك مابها،
قال مرتبكاً:
ـ إن لم أفصح بالكلمات عن مشاعري ياغالية
فلأني أود أن لا أفسد اللحظة التي سأراك فيها
وأخبرك وجها لوجه عما في قلبي. هل تتخيلين تلك
اللحظة التي نكون فيها معا وماسأقوله لك ؟

شعرت مها بأنها لم تعد تحتمل أكثر فقالت بانفعال
بالغ وهي تبكي
ـ عبدالله..... أحبك.....